SNS.sy

رأي الرقميات » هل أفشل المهندسون صناعة البرمجيات

09/09/2011 07:48:41
في العام 2007، العام الأخير عملياً لمنتدى صناعة البرمجيات؛ كمؤسسة كانت تعتقد أنه من الممكن أن يكون لها بصمة في الاسواق السورية والعربية، أجريت تحقيقاً مطولاً، ولقاءات، وكتبت مقالات؛ في محاولة أخيرة مني للوصول الى جواب سؤال : "هل نريد أن يكون لدينا صناعة برمجيات محلية قوية؟".

الجواب؛ على الأقل بالنسبة لي كان واضحاً: " لا ينظر فعلاً الى مجموعة الشركات الموجودة آن ذاك (وعددها ضعف ما هو موجود الآن) على أنها الشركات التي تستحق أن نراهن عليها في صناعة البرمجيات والتي إلى الآن لم نقرر أنها استراتيجية أم لا" .

وهل فعلاً من المجدي أن نعيد فتح هذه القضية مجدداً على المستوى الاعلامي والحكومي ؟، وخاصة أن سورية اليوم أمامها أولويات واستحقاقات في العام 2011 و2012 مختلفة واصعب بكثير من العام 2007 و2008.

وإذا كان الانفاق الضعيف على قطاع البرمجيات حكومياً هو الشكوى الرئيسة في نهاية العام 2007؛ فهل سيكون انعدامها في العام 2012 (كما هو واضح) هو بداية لحل عقدة انتظار الانفاق الحكومي، أم طلقة الرحمة على صناعة البرمجيات المترنحة أساساً؟.

هذه اسئلة سيجيب عنها مدراء شركات البرمجة في سورية، وقلبي معهم لأنهم لايواجهون فقط ضعف الانفاق الحكومي والخاص على البرمجيات، بل يواجهون مشكلة أكبر من ذلك وأشد خطراً برأيي على صناعة البرمجيات السورية بأكملها وهي " عقلية المهندس التاجر".

في العام 2003 كتبت في احدى افتتاحياتي في "صحيفة الرقميات" مقالاً أثار ضجيجاً جميلاً وانتقادات قارنت فيه " سوق الشاورما في المزة جبل في دمشق، بسوق البحصة التقني في دمشق أيضاً "، وآليات عمل السوقين في مجال التسعير التوسع وتكديس البضائع، والاعتماد على سلسة تجارية واضحة لتأمين المواد.

وبدون منازع فازت العقلية التجارية والتسويقية لمجموع بائعي الشاورما (بأنواعها) على بائعي التقنيات الحديثة (بأنواعها).!!.

وكان واضحاً أن الخلفية التجارية الموروثة والمحترمة لبائعي الشاورما تفوقت على تذاكي المهندسين آن ذاك والذين تصوروا أن لديهم حلولاً تجارية جديدة لأسواق جديدة، حلولهم كانت "الترويج عبر السعر " عوضاً عن "الترويج عبر الخدمة" وتجارتهم كانت تبنى على "إقصاء الآخر" عوضاً عن " تأسيس الأسواق" .

وعلى كل حال لمن لايعلم كان ظهور أسواق الشاورما " وحصراً شاورما الدجاج" في دمشق وانطلاقه كأحد المأكولات الشعبية مترافق زمنياً مع ظهور أسواق الحواسب والتقنيات، ولا يحتاج واحدنا للكثير من البحث والتمحيص لمعرفة أي من السوقين يربح وأي منهما يترنح.

منذ أيام قليلة وأثناء مقابلات عمل أجريتها لتوظيف لبعض الشباب المبرمجين ومع الاسئلة المعتادة لمثل هذه اللقاءات كنت اقحم سؤال "وبكم بعتموه؟." فمعظم الشباب عملوا مباشرة إما على موقع الكتروني أو برنامج متخصص وهو يعرف بشكل أو بآخر بكم باعت المؤسسة هذا المنتج أو بكم سعرت مواقعها الالكترونية التي نفذتها لزبائن. وأجوبتهم والتي عملياً كانت متوقعة بالنسبة لي هي جزء من الاجابة التي يُبحث عنها عن سبب ضعف سوق البرمجيات.

الشاب الأول كان خريج معهد، مهذب وخجول؛ ومتمرس بالعمل البرمجي وتطوير المواقع. أجابني عندما سألته عن سعر برنامج مخصص للمدراس وادارة المدراس (طلاب، اساتذة،علامات) كان قدعمل عليه مع فريق في الشركة التي كان يعمل فيها سابقاً "أغلقت الآن": " لقد بعناه بعشرين الف ليرة سورية" . ذهلت؛ وتابعت أسئلتي: "لماذا بعشرين الف لمثل هذا النظام .. قليل؟".

أجاب: "صحيح، ولكننا كنا نريد بيعه كمنتج وليس كحل مخصص، نحن صنعنا منتجاً نريد بيعه للعديد من المدراس من اجل ذلك.... خفضنا السعر".

سألته: "وهل بعتموه لأي مدرسة أخرى؟". ... أجاب : لا....؛ لم نستطع إلى الآن.!! والشركة توقفت عن العمل بسبب الاسواق الحالية.

والواقع أن هذه القصة تشبه عشرات القصص التي اعرفها عن منتجات قضت على مؤسساتها لأنهم أخطأوا في التسعير و أخطأوا بحجم السوق، وثباته، وخالفوا القاعدة التسويقية في قطاع البرمجة "في سورية" أن الزبون الأول هو من يجب أن يتحمل كلف التطوير وإن أمكن الارباح لأن فرصة أن يباع المنتج نفسه مرة ثانية قد تكون في أسواقنا معدومة.

الشاب الثاني الذي سأذكر قصة لقائي معه مهندس معلوماتية عمل لشركة تطوير مواقع انترنت وفي الواقع هي شركة دعاية وإعلان تنتج للشركات بروشوراتها وبطاقات الفيزيت، وبالجملة مواقعها الالكترونية. سألته عن عمله وعن سبب اغلاق شركته ابوابها ومن هو المدير؟ فتبين ان المدير هو المصمم الغرافيكي نفسه؛ وعملياً وظف مهندساً لتنفيذ بعض المواقع :

"بكم كنتم تنفذون المواقع كم كان سعر الموقع الجيد مع نظام إدارة محتوى؟." فأجاب : "ستون ألف ... حوالي ستون ألف ليرة سورية" .

ولمعرفتي بأنهم نفذوا على الاقل مشروع جيد وكبير لاحدى الشركات التي أعرفها ... سألته : " هل نفذتم هذا الموقع ايضاً بستين الف؟". أجابني :" لا ... لا هذا الموقع كلف حوالي مائتان وخمسين الف أو ثلاثمائة الف ليرة سورية .. بهذه الحدود" .

قلت له: " يارجل، لماذا لم تقل لي أن مواقعنا الجدية تكلف 300 الف فما فوق واجبتني فوراً أن المواقع تكلف 60 الف ليرة سورية ، أنا لست زبونا "لتشبكني" وحتى لوكنت زبوناً فبرأيي ليست هذه الطريقة المناسبة".

أجاب بصراحة " لا أعرف .. هكذا تعودنا" .

هذا صحيح؛ هكذا تعودنا، أن نقدم السعر الأرخص لمنتجاتنا التقنية وخاصة تلك التي تعتمد على الابداع البشري (البرامج، والمواقع، والاستشارات)، نحن لا نتصور مثلاً أن مواقع وبرامج من الممكن أن تباع بالملايين لأنها تكلف الملايين، ولأننا نعلم أن مثل هذه البرمجيات والمواقع والاستشارات لايمكن أن تنفذ إلا عبر شركات ووفق معيارية واعتمادية وهذا بالمطلق ضد عقلية " التاجر المهندس".

الثالث والرابع والخامس قصصهم متشابهة ولكن مالا يعرفه مدراءهم السابقون ومالا ينتبه له مدراؤهم في المستقبل أن معظمهم كتب في سيرته الذاتية أنه نفذ أعمالاً لوحده أي خارج إطار شركته أو شركاته التي عمل فيها ، لابل نفذ أعمالاً أثناء دراسته وإن أردتم معرفة كم يتقاضى مقابلها أجوراً .... ستبدؤون من 1900 ليرة سورية وصولاً الى 15 الف وعشرين الف باحسن الاحوال ..

مرة أخرى عقلية "المهندس التاجر" تظهر كأداة مدمرة في أسواق التقانة، فالشركات الجديدة بمعظمها تسعر بأقل من كلف التصميم و الشركات القديمة تئن تحت هذه المنافسة غير المنطقية والتي تعتمد الخسارة في تكليف منتجاتها، والشركات القديمة والحديثة بدورها تئن من منافسة عمالها والخريجين الجدد الذين قرروا منافسة مصادر رزقهم بأنفسهم بافتتاحهم " شركات غرفة النوم للبرمجة" تلك الغرفة الشركة التي استخدمت لإنجاز برمجيات ومواقع بأسعار زهيدة قد تنفع لمرة واحدة لمهندس أو خبير مبرمج لتدعم دخله ولكنها بالمجل ستسقط سوقاً بأكملها ...لا بل عملياً أسقطته على الأقل في اسواق القطاع الخاص .

لا نضع اللوم على الزبون ولا على الأسواق التي انفردنا فيها منذ بداية التسعينات إلى الآن، ولم نطورها بل استهلكناها.

استهلكناها أسواقنا ..

تلك الأسواقنا التي غدت هشة، تحتاج إلى إعادة إحياء منتدى صناعة البرمجيات في دمشق ودمجه مع صناعة البرمجيات القوي في حلب وإيجاده في باقي المحافظات والترويج للاعتمادية؛ إعتمادية الشركات المؤهلة لتنفيذ البرمجيات بأنواعها، وتصنيفها حسب حجمها وتاريخها وملاءتها المالية.

والأهم تحتاج إلى العمل الجاد على اقصاء عقلية "المهندس التاجر" و"شركات غرف النوم" وكل ما ارجوه أن لا نكون قد وصلنا لنقطة اللاعودة " للتصحر التقني" .

مهمة صعبة في وقت صعب ولكنه ممكن وضروري ... واستراتيجي.

الرقميات

خاص بصحيفة المال

الكاتب: م.رشاد أنور كامل رئيس التحرير

مصدر الخبر: خاص الرقميات